أبي منصور الماتريدي
87
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل ؛ لأن معنى [ الإسلام والإيمان ] « 1 » واحد ؛ إذ الإسلام : هو أن يجعل الأشياء كلها لله خالصة سالمة لا يشرك فيها غيره ، والإيمان : التصديق ، وهو أن يصدق أن الله تعالى رب كل شيء ، وإذا صدقته أنه رب كل شيء فقد جعلت [ الأشياء ] « 2 » كلها سالمة له ، أو تصدق [ كلّا فيما ] « 3 » يشهد لله تعالى في الربوبية [ بجوهره ] « 4 » ، فثبت أن كل واحد منهما يقتضي ما يقتضيه الآخر من المعنى ، فإذا ذكر أحدهما بالإفراد ، ففي ذكره ذكر الآخر ، وإذا جمع في الذكر ، صرف هذا إلى وجه ، وهذا إلى وجه ، وهذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي معنى الإحسان إذا ذكر مفردا ؛ لأن التقوى هو أن يتقي من المهالك ، والاتقاء عن المهالك يقع باكتساب المحاسن ، وإذا ذكرا معا صرف التقوى إلى [ الاتقاء من الكفر ] « 5 » والإحسان إلى فعل الخيرات ، وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه » ، وقال : « المسلم من سلم الناس من لسانه ويده » ، فصرف هذا إلى وجه وهذا إلى وجه ، وهما في التحصيل واحد ؛ لأنهم إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده . وقوله - عزّ وجل - : قانِتاتٍ . قيل « 6 » : مطيعات . وقيل : القائمات بالليالي للصلاة ، وهذا أشبه ؛ لأنه ذكر السائحات بعد هذا ، والسائحات الصائمات ، وذكر الصيام بالنهار ، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام الليل ؛ ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة « 7 » ؛ ولذلك قال جبريل - عليه السلام - في وصف حفصة - رضي الله عنها - : « إنها صوامة قوامة » أي صوامة بالنهار وقوامة بالليل ، وذكر عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه سئل عن أفضل الأعمال ، فقال : « طول القنوت » ، وهو القيام بالليل . وقوله - عزّ وجل - : تائِباتٍ . هن اللائي لا يصررن على الذنب ، بل يفزعن إلى الله تعالى بالتوبة والتضرع إذا ابتلين بالخطيئة . وقوله : عَبَّدْتَ .
--> ( 1 ) في ب : الإيمان والإسلام . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : كلاهما . ( 4 ) في ب : نحو هذا . ( 5 ) في ب : اتقاء الكفر . ( 6 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير عنه ( 34429 ) وهو قول عكرمة وابن زيد وأبي مالك أيضا . ( 7 ) في ب : بالعادة .